بعض الأمثلة على سب و طعن الاخوان المسلمين للصحابة

لقد طعن سيد قطب في الخليفة الراشد الشهيد المظلوم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأقذع في طعنه:

        1 – أسقط خلافته فقال: “ونحن نميل إلى اعتبار خلافة علي امتداداً طبيعياً لخلافة الشيخين قبله، وأن عهد عثمان كان فجوة بينهما”([16]).

        2 – زعم أن التصور لحقيقة الحكم قد تغير شيئاً ما بدون شك على عهد عثمان، ثم قال:”ولقد كان من سوء الطالع أن تدرك الخلافة عثمان وهو شيخ كبير، ضعفت عزيمته عن عزائم الإسلام، وضعفت إرادته عن الصمود لكيد مروان وكيد أمية من ورائه”([17]).

        3 – وقال في سياق نقده لعثمان رضي الله عنه: “فهم عثمان – يرحمه الله – أن كونه إماماً يمنحه حرية التصرف في مال المسلمين بالهبة والعطية، فكان رده في كثير من الأحيان على منتقديه في هذه السياسة: “وإلا؛ ففيم كنت إماماً؟”، كما يمنحه حرية أن يحمل بني معيط وبني أمية من قرابته على رقاب الناس وفيهم الحكم طريد رسول الله، لمجرد أن من حقه أن يكرم أهله ويبرهم ويرعاهم”([18]).

        ففي هذه المقاطع طعن شديد في عثمان رضي الله عنه.

        4 – وقال: “منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مئتي ألف درهم، فلما أصبح الصباح؛ جاءه زيد بن أرقم خازان مال المسلمين، وقد بدا في وجهه الحزن، وترقرت في عينه الدموع، فسأله أن يعفيه من عمله، ولما علم منه السبب، وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين؛ قال مستغرباً: “أتبكي يا ابن أرقم أن وصلت رحمي؟!. فرد الرجل الذي يستشغر روح الإسلام المرهف: “لا يا أمير المؤمنين! ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله، والله؛ لو أعطيته مئة درهم لكان كثيراً!”. فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين، وقال له: “ألق بالمفاتيح يا ابن أرقم! فإنا سنجد غيرك.

        والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات (ثم ضرب بعض الأمثلة عليها)”([19]).

        وفي هذا المقطع افتراء على عثمان وطعن فيه وتعريض به بأنه لا يستشعر روح الإسلام، وبأنه يصر على الباطل، ولا تجدي فيه النصيحة!!.

        5 – واتهمه بإغداق الولايات على قرابته، فقال: “وغير المال! كانت الولايات تغدق على الولاة من قرابة عثمان، وفيهم معاوية([20]) الذي وسع عليه عثمان في الملك فضم إليه فلسطين وحمص، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة، ومهد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة علي وقد جمع المال والأجناد، وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله، وفيهم عبد الله بن سعد بن أبي السرح أخوه من الرضاعة… إلخ”([21]).

        وهذه تهم فظيعة ظالمة لا تخفى على الفطن.

        6 – واتهمه بالانحراف عن روح الإسلام، فقال: “ولقد كان الصحابة يرون هذا الانحراف عن روح الإسلام، فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ الإسلام وإنقاذ الخليفة من المحنة، والخليفة في كبرته وهرمه لا يملك أمره من مروان، وأنه لمن الصعب أن نتهم روح الإسلام في نفس عثمان، ولكن من الصعب كذلك أن نعفيه من الخطأ الذي هو خطأ المصادفة السيئة في ولايته الخلافة وهو شيخ موهون تحيط به حاشية سوء من أمية”([22]).

        7 – ويمدح الثورة على عثمان، ويرى أنها أقــرب إلى روح

الإسلام من موقف عثمان أو من موقف عثمان ومن ورائه أمية([23]).

        8 – ويدعي أن المصادفات السيئة قد ساقت إليه الخلافة متأخرة، فيقول: “واعتذارنا لعثمان رحمه الله أن المصادفات السيئة قد ساقت إليه الخلافة متأخرة، فكانت العصبة الأموية حوله، وهو يدلف إلى الثمانين، واهن القوة، ضعيف الشيخوخة، فكان موقفه كما وصفه صاحبه علي بن أبي طالب: “إني إن قعدت في بيتي؛ قال: تركتني وقرابتي وحُقي، وإن تكلمت فجاء ما يريد به مروان، فصار سيقة([24]) له يسوقه حيث شاء بعد كبر السن وصحبته لرسول الله e”([25]).

        وفي هذا الكلام سوء معتقد سيد، واعتذار أقبح من فعل لحطه الشنيع على عثمان، واعتباره سيقه لمروان.

        9 – اتهامه لعثمان بأنه ممكن للدولة الأموية في حياته:

        يقول: “ولقد كان من جراء مباكرة الدين الناشئ بالتمكين منه للعصبة الأموية على يدي الخليفة الثالث في كبرته أن تقاليده العملية لم تتأصل على أسس من تعاليمه النظرية لفترة أطول وقد نشأ في عهد عثمان الطويل في الخلافة أن تنموا السلطة الأموية، ويستفحل أمرها في الشام وفي غير الشام، وأن تتضخم الثروات نتيجة لسياسة عثمان (كما سيجيء)، وأن تخلخل الثورة على عثمان بناء الأمة الإسلامية في وقت مبكر شديد التبكير.

        ومع كل ما يحمله تاريخ هذه الفترة وأحداثها من أمجاد لهذا الدين تكشف عن نقلة بعيدة جداً في تصور الناس للحياة والحكم وحقوق الأمراء وحقوق الرعية؛ إلا أن الفتنة التي وقعت لا يمكن التقليل من خطرها وآثارها البعيدة المدى”([26]).

        ألا ترى هذه الطعون الظالمة:

        1) تضخيم الثروات نتيجة لسياسة عثمان، وهذه جريمة كبرى في نظر الاشتراكيين، برأ الله عثمان منها.

        2) تخلخل بناء الأمة في وقت مبكر بسبب عثمان، وهذا إنما سببه بغي وبطر الثوار، ولقد أعيد بناء الأمة في عهد بني أمية على أروع ما يكون، رغم أنوف الحاقدين من الروافض وغيرهم.

        10 – اتهام سيد قطب لعثمان رضي الله عنه بأنه مكَّن للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام وطعون شديدة أخرى… يقول:

        “مضى عثمان إلى رحمة ربه:

1)   وقد خلف الدولة الأموية قائمة بالفعل بفضل ما مكن لها في الأرض، وبخاصة في الشام.

2)   وبفضل ما مكن للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام من إقامة الملك الوراثي.

3)   والاستئثار بالمغانم والأموال والمنافع.

4)   مما أحدث خلخلة في الروح الإسلامي العام، وليس بالقليل ما يشيع في نفس الرعية، إن حقاً وإن باطلاً.

5)   أن الخليفة يؤثر أهله ويمنحهم مئات الألوف.

6)   ويعزل أصحاب رسول الله ليولي أعداء رسول الله.

7)   ويبعد مثل أبي ذر:

أ – لأنه أنكر كنز الأموال.

ب – وأنكر الترف الذي يخب فيه الأثرياء.

ج – ودعا إلى مثل ما كان يدعو إليه الرسول e من الإنفاق في البر والتعفف.

        فإن النتيجة الطبيعية لشيوع مثل هذه الأفكار، إن حقاً وإن باطلاً أن تثور نفوس، وأن تنحل نفوس.

8)   تثور نفوس الذين أشربت أنفسهم روح الدين إنكاراً وتأثماً.

9)   وتنحل نفوس الذين لبسوا الإسلام رداء، ولم تخالط بشاشته قلوبهم، والذين تجرفهم مطامع الدنيا، ويرون الإنحدار مع التيار.

وهذا كله في أواخر عهد عثمان…”([27]).

11 – طعون في عثمان والصحابة وبني أمية بأنهم نفعيون وأن المصالح هي التي دفعتهم إلى الانحياز إلى معاوية.

ويقول: “فلما أن جاء علي؛ لم يكن من اليسير أن يرد الأمر إلى نصابه في هوادة، وقد علم المستنفعون على عهد عثمان، وبخاصة من أمية، أن علياً لن يسكت عليهم، فانحازوا بطبيعتهم وبمصالحهم إلى معاوية، ولو قد جاء عليٌّ عقب عمر؛ ما كان لهم إلى هذا الانحياز من سبيل، فقوة معاوية يوم ذاك لم تكن تصمد لقوة الخلافة، ولا لقوة الروح الدينية في النفوس، وما كان معاوية ليخاطر بالخروج على الخليفة كما خرج؛ فإن ثلاثة عشر عاماً من حكم عثمان هي التي جعلت من معاوية معاوية، إذ جمعت له قوة المال وقوة الجند وقوة الدولة في الأقطار الأربعة بالشام”([28]).

وفي هذا الكلام أن الأمر قد خرج عن نصابه في عهد عثمان، وأن هناك في مجتمعه مستنفعون من الصحابة وغيرهم ومن بني أمية.

إنها المحنة الحقة:

        12 – ويقول: “إنها المحنة الحقة أن علياً لم يكن ثالث الخلفاء!

        جاء علي ليرد التصور الإسلامي للحكم إلى نفوس الحكام ونفوس الناس، جاء ليأكل الشعير تطحنه امرأته بيديها، ويختم هو على جراب الشعير، ويقول: “لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم”([29]).

        وفي هذا المقطع إسقاط لخلافة عثمان، واعتبارها محنة حقة، وأن التصور الإسلامي للحكم قد فسد أو فقد، وجاء علي رضي الله عنه ليصلح ذلك التصور الذي فسد، أو ليرد ذلك التصور المفقود.

        13 – ويروي سيد إفك الروافض على الخليفة الراشد علي رضي الله عنه وبرأه الله من إفكهم؛ ليطعن به في عثمان رضي الله عنه، فيقول:

        “ولقد كان منهاجه (أي: عليّ رضي الله عنه) الذي شرعه هو ما قاله في خطبته عقب البيعة له:

        “أيها الناس! إنما أنا رجل منكم، لي ما لكم، وعليَّ ما عليكم، وإني حاملكم على منهج نبيكم، ومنفذ فيكم ما أمرت به؛ ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال؛ فإن الحق لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وملك الإماء، وفرق في البلدان؛ لرددته؛ فإن في العدل لسعة، ومن ضاق عليه الحق؛ فالجور عليه أضيق””([30]).

        وفي هذا الكلام المفترى طعن في عثمان بأنه قد خرج عن منهاج رسول الله e، وإسقاط لخلافته، وأن تصرفاته باطلة تبعاً لخروجه عن منهاج رسول الله e وسقوط خلافته، وبرأ الله علياً من هذا الباطل والإفك.

        14 – الطعن في المهاجرين والأنصار من أهل بدر وبيعة الرضوان وأهل الشورى؛ لأنهم هم الذين كان يفضلهم عمر وعثمان في العطـاء لفضلهم وسابقتهم؛ فهم الذين اعتادوا التفضيل.

        قال سيد قطب: “ولقد كان من الطبيعي ألا يرضى المستنفعون عن علي رضي الله عنه، وألا يقنع بشرعة المساواة من اعتادوا التفضيل ومن مردوا على الاستئثار، فانحاز هؤلاء في النهاية إلى المعسكر الآخر، معسكر أمية، حيث يجدون فيه تمليقاً لأطماعهم، وتواطؤا على عناصر العدل والحق والضمير في السيرة وفي الحكم سواء”([31]).

        إن هؤلاء الشرفاء الذين تسميهم بالمستنفعين وتصفهم بأنه لا يقنعون بشرعة المساواة واعتادوا التفضيل ومردوا على الاستئثار… إلخ؛ هم أصحاب رسول الله e من المهاجرين والأنصار، الذين كان يفضلهم عمر على غيرهم لسابقتهم وحسن بلائهم وجهادهم([32])، وأنت لا تجهل هذا، ولكن أهل الحق والإنصاف والصدق لا يصدقون هذه الافتراءات على ذلك الجيل النزيه البرئ الذي تلطخه بهذه التهم، والتاريخ الواقعي لهذا الجيل النبيل يشهد بنزاهته وبراءته وبعده كل البعد عما تلصقه به من التهم.

        15 – طعون في عثمان رضي الله عنه ترميه بأنه قد ذهبت روح الإسلام في عهده، وضعفت التقاليد الإسلامية، فجاء عليٌّ ليرد هذه الروح الذاهبة، وليعيد إلى التقاليد قوتها، ويجلو عن روح الإسلام الغاشية ثم يتناول معاوية، فيقول سيد قطب:

        “والذين يرون في معاوية دهاء وبراعة لا يرونها في علي رضي الله عنه، ويعزون إليهما غلبة معاوية في النهاية، إنما يخطئون تقدير الظروف كما يخطئون فهم علي وواجبه، لقد كان واجب علي الأول والأخير: أن يرد للتقاليد الإسلامية قوتها، وأن يرد إلى الدين روحه، وأن يجلوا الغاشية التي غشت هذا الروح على أيدي أمية في كبرة عثمان ووهنه، ولو جارى معاوية في إقصاء العنصر الأخلاقي من حسابه؛ لسقطت مهمته، ولما كان لظفره بالخلافة خالصة من قيمة في حياة هذا الدين؛ فما جدوى استبدال معاوية بمعاوية؟! إن علياً إما أن يكون علياً، أو فلتذهب الخلافة عنه، بل فلتذهب حياته معها، وهذا هو الفهم الصحيح الذي لم يغب عنه كرم الله وجهه وهو يقول: “والله مامعاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر؛ لكنت من أدهى الناس””([33]).

        برأ الله علياً ومعاوية من هذا الباطل، ومتى كان الغدر والفجور إلا في عقول الروافض.

        16 – إسقاط خلافة عثمان رضي الله عنه، واعتبارها فجوة بين عهد الشيخين وعهد علي.

        ذكر سيد قطب مذهب أبي بكر وعمر في قسمة الفيء، وأن أبا بكر كان يسوي في العطاء، وزعم أن عمر كان يفضل في العطاء، ثم ندم وعزم على المساواة، ثم قال بعد ذلك:

        “وا أسفاه! لقد فات الأوان، وسبقت الأيام عمر، ووقعت النتائج المؤلمة التي أودت بالتوازن في المجتمع الإسلامي، كما أدت فيما بعد إلى الفتنة، بما أضيف إليها من تصرف أمية وإقرار عثمان!

        رجع عمر إذن عن رأيه في التفرقة بين المسلمين في العطاء حينما رأى نتائجه السيئة إلى رأي أبي بكر، وكذلك جاء رأي علي مطابقاً لرأي الخليفة الأول، ونحن نميل إلى اعتبار خلافة علي امتداداً طبيعياً لخلافة الشيخين قبله، وأن عهد عثمان كان فجوة بينهما”.

        أقول: في هذا الكلام طعن من منطلق اشتراكي يتباكى فيه على التوازن الذي خيل إليه الشيطان أن تصرف عثمان قد أودى به، ومن منطلق شيعي دفعه إلى إسقاط خلافة عثمان.

        17 – طعن سيد قطب في عثمان رضي الله عنه عدة طعنات لا يحتملها مسلم، ثم طعنه في قريش في ذلك العهد، ووصفه للمجتمع الإسلامي في عهد عثمان بأنه قد ساده الإقطاع؛ قال:

        “وجاء عثمان، فلم ير أن يأخذ بالعزيمتين أو إحداهما:

1)   ترك الفضول لأصحابها فلم يردها.

2)   وترك الأعطيات كذلك على تفاوتها.

ولكن هذا لم يكن كل ما كان.

3)   بل وسع أولاً على الناس في العطاء، فازداد الغنى غنىً، وربما تبحبح الفقير قليلاً.

4)   ثم جعل يمنح المنح الضخمة لمن لا تنقصهم الثروة.

5)   ثم أباح لقريش أن تضرب في الأرض تتاجر بأموالهم المكدسة فتزيدها أضعافاً مضاعفة.

6)   ثم أباح للأثرياء أن يقتنوا الضياع والدور في السواد وغير السواد.

فإذا عهد من عهود الإقطاع يسود المجتمع الإسلامي في نهاية عهده يرحمه الله”([34]).

وهكذا يوجه سيد قطب الطعنات النجلاء لعثمان وقريش ولسادة المهاجرين والأنصار وعهد خير القرون، فيشبه مجتمعهم – بعد تلك الطعنات – بأشد مجتمعات أوربا النصرانية ظلمة وظلاماً، ويطلق على ذلك المجتمع الذي لم يعرف التاريخ له نظيراً في العفة والطهارة والنقاء والتضحيات بالمال والنفس عبارات الشيوعيين والاشتراكيين الضالين.

18 – طعنه في عثمان وفي رؤوس قريش من الصحابة رضي الله عنهم وبرأهم.

ادعى سيد قطب أن أبا بكر وعمر كانا يتشددان في إمساك الجماعة من رؤوس قريش بالمدينة، لا يدعونهم يضربون في الأرض المفتوحة؛ احتياطاً أن تمتد أبصار هؤلاء الرؤوس إلى المال والسلطان حين يجتمع إليهم الأنصار بحكم قرابتهم من رسول الله e أو بحكم بلائهم وسابقتهم في الجهاد.

“1) … فلما جاء عثمان؛ أباح لهم أن يضربوا في الأرض.

2) ولم يبح لهم هذا وحده، بل يسر لهم وحضهم على توظيف أموالهم في الدور والضياع في الأقاليم.

3) بعدما آتى بعضهم من الهبات مئات الآلاف.

4) لقد كان ذلك كله براً ورحمة للمسلمين، وبكبارهم خاصة، ولكنه أنشأ شراً عظيماً لم يكن خافياً على فطنة أبي بكر وفطنة عمر بعده، أنشأ الفوارق المالية والاجتماعية الضخمة في الجماعة الإسلامية.

5) كما أنشأ طبقة أرستقراطية فارغة، تأتيها أرزاقها من كل مكان، دون كد ولا تعب.

6) فكان الترف الذي حاربه الإسلام بنصوصه وتوجيهاته كما حاربه الخليفتان قبل عثمان”([35]).

أقول: هكذا يوجه سيد قطب هذه الطعنات الظالمة والاتهامات الآثمة إلى أصحاب رسول الله e بغير حجة ولا برهان ولا هدى ولا علم، ولا مصدر لهذه الاتهامات والطعون إلا خيالاته الناشئة عن عقيدته الاشتراكية الغالية، وإلا السموم التي ارتواها من مصادر الرفض وتعاليم الاشتراكيين.

19 – إشادته بالثورة على عثمان رضي الله عنه.

قال سيد قطب: “عندئذ سار الروح الإسلامي في نفوس بعض الناس، يمثلهم أشدهم حرارة وثورة، أبوذر، ذلك الصحابي الجليل، الذي لم تجد هيئة الفتوى المصرية في الزمن الأخير إلا أن تخطئه في اتجاهه، وإلا أن تزعم لنفسها بصراً بالدين أكثر من بصره بدينه”([36]).

أقول: في هذا الكلام مدح للثوار على الخليفة الراشد رضي الله عنه، وطعن في أبي ذر رضي الله عنه من حيث يظن أن يمدحه؛ فإن أبا ذر رضي الله عنه كان من ألزم الناس للطاعة والجماعة، وأبعد الناس عن الخوارج وثورتهم، لكن سيد قطب يحاول أن يربط بينه وبين الثورة والثوار، مع أنه قد ربط بين الثورة وبين ابن سبأ اليهودي، حيث قال بعد مدح الثورة:

“وذلك دون إغفال لما كان وراءها من كيد اليهودي ابن سبأ عليه لعنة الله”([37]).

فثورة هذا حالها؛ كيف تمدح؟! وكيف يكون ممثلها أبوذر الصحابي الجليل رضي الله عنه وبرأه؟! وقد بينت براءته في بحث فيه دفاع عن الصحابة رضي الله عنهم كما بينه غيري.

20 – سياقه للثورات، ومنها ثورة القرامطة، مساق الاعتزاز والتباهي؛ يقول:

“والواقع أن اتهام النظام الإسلامي بأن لا يحمل ضماناته إغفال للممكنات الواقعة في كل نظام، كما أن فيه إغفالاً لحقائق التاريخ الإسلامي الذي شهد الثورة الكبرى على عثمان، وشهد ثورة الحجاز على يزيد، كما شهد ثورة القرامطة وسواها ضد الاستغلال والسلطة الجائرة وفوارق الطبقات، ومايزال الروح الإسلامي يصارع ضد هذه الاعتبارات جميعاً على الرغم من الضربات القاصمة التي وجهت إليه من ثلاث مئة وألف عام”([38]).

وإذا كان سيد يرى ثورة القرامطة من الثورات التي تمثل في صراعها الروح الإسلامي؛ فلا يستغرب منه أن يتباهى بثورات الخوارج والروافض والزنج وأمثالها، ويعتبرها ثورات تنطلق من الروح الإسلامي، ثائرة ضد الاستغلال وفوارق الطبقات، وهذا والله يثير استفهامات كثيرة.

21 – وصفه الصحابة والمجتمع الإسلامي المجاهد في عهد عثمان

الزاهر بالترف الذي لا يعرفه الإسلام، مع الطعن في عثمان رضي الله عنه؛ قال:

“قام أبوذر ينكر على المترفين ترفهم الذي لا يعرفه الإسلام، وينكر على معاوية وأمية خاصة سياستهم التي تقر هذا الترف وتستزيد منه وتتمرغ فيه، وينكر على عثمان نفسه أن يهب من بيت المال المئات والألوف، فيزيد في ثراء المثرين وترف المترفين، علم أن عثمان أعطى مروان بن الحكم خمس خراج إفريقية والحارث بن الحكم مئتي ألف درهم وزيد بن ثابت مئة ألف… وما كان ضمير أبي ذر ليطيق شيئاً من هذا كله، فانطلق يخطب في الناس: “لقد حدثت أعمال ما أعرفها والله، ماهي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله؛ إني لا أرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذباً، وأثرة بغير تقى… اتخذتم ستور الحرير، ونضائد الديباج، وتألمتم الأضطجاع على الصوف الأذربي، وكان رسول الله ينام على الحصير، واختلف عليكم بألوان الطعام، وكان رسول الله لايشبع من خبز الشعير”([39]).

وفي هذا المقطع تهم ظالمة يوجهها سيد قطب إلى عثمان رضي الله عنه وبرأه الله، وطعن وتشويه لخير أمة أخرجت للناس، ونقل للأكاذيب والافتراءات التي يسندها الروافض إلى أبي ذر رضي الله عنه بدافع الأغراض والأهواء والأحقاد على أصحاب رسول الله e.

22 – طعون في عثمان رضي الله عنه؛ منها: تحطم الأسس التي جاء بها الإسلام في عهده.

قال سيد قطب:

“وما كانت مثل هذه الدعوة([40]) ليطيقها معاوية، ولا ليطيقهـا

مروان بن الحكم؛ فمازالا به عند عثمان يحرضانه عليه، حتى كان مصيره إلى الربذة، منفياً من الأرض في غير حرب لله ولرسوله، وفي غير سعي في الأرض بالفساد؛ كما تقول شريعة الإسلام، ولقد كانت هذه الصيحة يقظة ضمير لم تخدره الأطماع أمام تضخم فاحش في الثروات يفرق الجماعة الإسلامية طبقات، ويحطم الأسس التي جاء بها هذا الدين ليقيمها بين الناس”([41]).

أقول: هل يطيق مسلم سماع هذا البهت والإفتراء على أصحاب رسول الله e ؟! وهل يجرؤ على هذا مسلم في قلبه ذرة من الاحترام لمن أثنى الله عليهم ورسوله في القرآن والسنة، ووصفوا بأنهم خير أمة أخرجت للناس، والذين فتحوا الدنيا، وأخرج الله بهم الأمم من الظلمات إلى النور؟!.

وهكذا يطعن سيد قطب في أصحاب رسول الله e، ويشوه سمعتهم، ويدعي ظلماً وزوراً أن أسس الإسلام قد تحطمت في عهدهم.

أأئمة الرفض والزندقة هم الذين يقيمون أسس هذا الدين وينافحون عنه؟!.

ألا ساء ما يحكمون.

23 – نقل سيد قطب لطعن المسعودي الشيعي الحاقد في أصحاب رسول الله e.

قال سيد قطب محتجاً به:

“وبحسبنا أن نعرض نموذجاً للثروات الضخام أورده المسعودي؛ قال: “في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال:

فكان لعثمان يوم قتل عند خازنه خمسون ومئة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مئة ألف دينار، وخلف إبلاً وخيلاً كثيرة.

وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين الف دينار، وخلف ألف فرس وألف أمة.

وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك.

وكان في مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفا.

وخلف زيد بن ثابت من الذهب والفضة ماكان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع.

وبنى الزبير داره بالبصرة، وبنى أيضاً بمصر والكوفة والإسكندرية.

وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة، وشيد داره بالمدينة، وبناها بالجص والآجر والساج.

وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، ورفع سمكها، وأوسع فضاءها، وجعل على أعلاها شرفات.

وبنى المقداد داره بالمدينة، وجعلها مجصصة الظاهر والباطن.

وخلف يعلى بن منبه خمسين ألف دينار وعقاراً وغير ذلك ما قيمته ثلاث مئة ألف درهم””([42]).

أقول: برجوع القارئ إلى كتاب المسعودي يدرك أنه ساق هذا الهراء للطعن في هؤلاء الصحابة الكبار.

وقد فندت هذا بحق والحمد لله في بحث موسع فيه رد على سيد قطب([43]).

ويدرك القارئ مرة ثانية أن مراد سيد بالإقطاعيين والمترفين الذين يخبون في الترف وبالأرستقراطيين هم هؤلاء الصحابة النجباء، الذين جعلهم نموذجاً لفساد الأوضاع وترديها في عهد عثمان؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار!.

قال سيد قطب معلقاً على كلام المسعودي:

“هذا هو الثراء الذي بدأ صغيراً بإيثار بعض المسلمين على بعض في العطاء في أيام عمر، ذلك الإيثار الذي كان معتزماً إبطاله وتلافي آثاره، لولا أن عاجلته الطعنة التي لم تصب قلب عمر وحده، وإنما أصابت قلب الإسلام.

ثم ازداد:

1)   بإبقاء عثمان عليه، فضلاً عن العطايا والهبات والقطائع.

2)   ثم فشا فشواً ذريعاً بتجميع الأملاك والضياع وموارد الاستغلال.

3)   بما أباحه عثمان من شراء الأرضين في الأقاليم وتضخيم الملكيات في رقعة واسعة.

4)   وبمقاومة الصيحة الخالصة العميقة التي انبعثت من قلب أبي ذر، وكانت جديرة لو بلغت غايتها، ولو وجدت من الإمام استماعاً لها؛ أن تعدل الأوضاع، وأن تحقق ما أراده عمر في أواخر أيامه من رد فضول الأغنياء على الفقراء بما يبيحه له سلطان الإمامة لدفع الضرر عن الأمة، بل بما يحتمه عليه تحقيقاً لمصلحة الجماعة.

5)   وبقدر ما تكدست الثروات وتضخمت في جانب؛ كان الفقر والبؤس في الجانب الآخر حتماً، وكانت النقمة والسخط كذلك.

6)   وما لبث هذا كله أن تجمع وتضخم لينبعث فتنة هائجة يستغلها أعداء الإسلام، فتودي في النهاية بعثمان وتودي معه بأمن الأمة الإسلامية وسلامتها وتسلمها إلى اضطراب وفوران لم يخبُ أواره حتى كان قد غشي بدخانه روح الإسلام وأسلم الأمة إلى ملك عضوض”([44]).

7)   لذلك لم يكن غريباً أن يغضب أصحاب رؤوس الأموال والمستنفعون من تفاوت الحظوظ في العطاء على سياسة المساواة والعدالة التي اعتزمها عليٌّ بعد عثمان، وأن يتظاهروا بأنهم إنما ينصحون بالعدول عن هذه السياسة خوفاً من الانتقاض، فما كان جوابه إلا أن يستلهم روح الإسلام في ضميره القوي، فيقول: أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ لو كان هذا المال لي؛ لسويت بينهم؛ فكيف وإنما المال مال الله؟! ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة”([45]).

هكذا يصور سيد قطب الأوضاع في عهد عثمان رضي الله عنه، مثل أحلك عصور أوروبا المظلمة التي ساد فيها الإقطاع والظلم والاستبداد من جهة، واشتد الفقر والذل والضياع من جهة أخرى؛ فهناك طبقة إقطاعية تستأثر بالأموال والأرضين، وطبقة فقيرة تعاني من البؤس والشقاء ما يندى له جبين الإنسانية، فكانت النتيجة في عهد عثمان أن ثار المحرومون والكادحون على عثمان والإقطاعيين، مثل ما حصل في أوروبا من الثورات التي قام بها الفقراء والكادحون والمحرومون من تلاميذ ماركس وأمثاله من الشيوعيين.

والذي يعرف التاريخ الإسلامي وتاريخ الذين ثاروا على عثمان يدرك تماماً أن ما يقوله سيد من نسج خياله وأوهامه الاشتراكية، ويدرك أن الذين ثاروا عليه ليسوا من الفقراء والمحرومين، فليس هناك في ذلك العهد الذي كان يتمتع المسلمون جميعاً بنوع من الرخاء الشامل والحمد لله فقراء وبؤساء، وليس فيه إقطاعيون، وإنما كان الثائرون من أهل البطر والأشر والبغي والحسد، ومن طلاب الفتن والطموح إلى الملك.

والذي يدقق النظر في تصرفات سيد قطب وأساليبه ويعرف مذهبه؛ يدرك أنه ناقم حتى على عمر؛ لأنه كان يفضل في العطاء طول حياته، وهذا التفضيل جور في نظر سيد سنه عمر، وإنما يترك الطعن في عمر تقية من جهة، وتمشية لمذهبه الاشتراكي من جهة أخرى.

والذي يمعن في فهم كلام سيد قطب يدرك أنه يوجب على الحكام ابتزاز أموال الأمة وتوزيعها على الطريقة الاشتراكية الماركسية.

23 – حكم بني أمية كارثة قصمت ظهر الإسلام عند سيد قطب.

يقول:

“لقد اتسعت رقعة الإسلام في عهدهم، ولكن روحه انحسرت بلا جدال، وما قيمة الرقعة إذا انحسرت الروح، ولولا قوة كامنة في طبيعة هذا الدين، وفيض عارم في طاقته الروحية؛ لكانت أيام أمية كفيلة بالقضاء عليه القضاء الأخير، ولكن روحه ظلت تقاوم وتغالب، وما تزال

فيه الطاقة الكامنة للغلب والانتصار”([46]).

لعل هذه القوة الكامنة والفيض العارم والطاقة الروحية كانت تكمن وتتفاعل في نفوس الروافض والخوارج أشد الناس عداء لبني أمية وأشدهم تنكُّراً وجحوداً لجهود بني أمية في الفتوحات ونشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، التي يصدق عليها قول رسول الله e: “إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض…”([47]) الحديث.

فهذه الفتوحات في عهد بني أمية يعتبرها رسول الله e من أعظم نعم الله عليه وعلى أمته.

لكن سيد قطب لا يرى أي قيمة لهذه النعمة العظيمة التي أشاد بها رسول الله e، وكفى بذلك مصادمةً!!.

ثم إن هذا العهد هو عهد خير القرون، التي أثنى عليها رسول الله e، وشهد لها الواقع التاريخي، وشهد لها علماء الإسلام.

وقال سيد قطب:

“وإذا كنا لا نؤرخ هنا للدولة الإسلامية، ولكن للروح الإسلامي في الحكم؛ نكتفي في إبراز مظاهر التحول والانحسار في هذا الروح بإثبات ثلاث خطب”.

فساق خطبتين يزعم أنهما لمعاوية، وخطبة واحدة يزعم أنها للمنصور العباسي، ثم علق عليها بقوله:

“وبذلك خرجت سياسة الحكم نهائياً عن دائرة الإسلام وتعاليم الإسلام، فأما سياسة المال؛ فكانت تبعاً لسياسة الحكم”([48]).

ثم دندن حول سياسة المال، ثم قال في النهاية:

“وخرج الحكام بذلك نهائياً من كل حدود الإسلام في المال”([49]).

ومن يعرف منهج سيد قطب في التكفير: لا يستعبد أنه يكفر الدولة الأموية والعباسية ويبغضهما أشد البغض، على غرار الروافض والخوارج، وعلى خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة.

ثم إنا لا نراه يتحدث عن أبي مسلم الخراساني، ولا عن دولة الفاطميين ولا غيرها من دول الرفض والباطنية!.

فما هو السر ياترى؟!

صورة مشرقة عن عهد معاوية رضي الله عنه:

        وأحب قبل أن انتقل إلى فصل آخر أن أعرض صورة مشرقة عن عهد معاوية رضي الله عنه، يتجلى فيها صدق الإيمان والورع وكمال الأخلاق، وأن هؤلاء الرجال هم من خير القرون بحق وجدارة.

        “حدثنا الفزاري، عن صفوان بن عمرو؛ قال: حدثنا حوشب بن سيف؛ قال: غزا الناس في زمان معاوية، وعليهم عبد الرحمن بن خالد، فغل رجل من المسلمين مئة دينار رومية، فلما قفل الجيش؛ ندم الرجل، فأتى عبد الرحمن بن خالد، فأخبره خبره، وسأله أن يقبلها منه، فأبى وقال: قد تفرق الجيش، فلن أقبلها منك حتى تأتي بها يوم القيامة. فجعل يستقرئ أصحاب النبي e يسألهم فيقولون مثل ذلك. فلما قدم دمشق على معاوية، فذكر ذلك له، فقال له مثل ذلك، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترحم، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي، فقال: مايبكيك؟ فذكر له أمره، فقال: أمطيعي أنت ياعبد الله؟ قال: نعم. قال: فانطلق إلى معاوية، فقل: أقبل مني خمسك، فادفع إليه عشرين ديناراً، وانظر إلى الثمانين الباقية، فتصدق بها عن ذلك الجيش؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم. ففعل الرجل، فقال معاوية: لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه، أحسن الرجل”([50]).

طعونه في معاوية وعمرو ومن في عهدهما وغلوه في علي رضي الله عنه:

        قال سيد قطب في كتابه: [كتب وشخصيات] ص [242 – 243]:

        “إن معاوية وزميله عمراً لم يغلبا علياً لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس، وأخبر منه بالتصرف النافع في الظرف المناسب. ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل سلاح، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع. وحين يركن معاوية وزميله إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم لا يملك على أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل. فلا عجب ينجحان ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح.

        على أن غلبة معاوية على علي، كانت لأسباب أكبر من الرجلين: كانت غلبة جيل على جيل، وعصر على عصر، واتجاه على اتجاه. كان مد الروح الإسلامي العالي قد أخذ ينحسر. وارتد الكثيرون من العرب إلى المنحدر الذي رفعهم منه الإسلام، بينما بقي علي في القمة لا يتبع هذا الانحسار، ولا يرضى بأن يجرفه التيار. من هنا كانت هزيمته، وهي هزيمة أشرف من كل انتصار.

        وهنا نصل إلى الملاحظة الرابعة. إذ نرى المؤلف يهش لروح النفعية في السياسة، ويشيد بأصحابها، ولا يعترف بغير النجاح العملي، ولو على أشلاء المثل العليا والأخلاق”.

        ثم واصل كلامه إلى أن قال:

        “لقد كان انتصار معاوية هو أكبر كارثة دهمت روح الإسلام التي لم تتمكن بعد من النفوس. ولو قد قدر لعلي أن ينتصر لكان انتصاره فوزاً لروح الإسلام الحقيقية: الروح الخلقية العادلة المترفعة التي لاتستخدم الأسلحة القذرة في النضال. ولكن انهزام هذه الروح ولما يمض عليها نصف قرن كامل، وقد قضى عليها فلم تقم لها قائمة بعد – إلا سنوات على يد عمر بن عبد العزيز – ثم انطفأ ذلك السراج، وبقيت الشكليات الظاهرية من روح الإسلام الحقيقية.

        لقد تكون رقعة الإسلام قد امتدت على يدي معاوية ومن جاء بعده. ولكن روح الإسلام قد تقلصت، وهزمت، بل انطفأت.

        فأن يهش إنسان لهزيمة الروح الإسلامية الحقيقية في مهدها، وانطفاء شعلتها بقيام ذلك الملك العضوض… فتلك غلطة نفسية وخلقية لا شك فيها.

        على أننا لسنا في حاجة يوماً من الأيام أن ندعو الناس إلى خطة معاوية. فهي جزء من طبائع الناس عامة. إنما نحن في حاجة لأن ندعوهم إلى خطة علي، فهي التي تحتاج إلى ارتفاع نفسي يجهد الكثيرين أن ينالوه.

        وإذا احتاج جيل لأن يدعى إلى خطة معاوية، فلن يكون هذا الجيل الحاضر على وجه العموم. فروح “مكيافيلي” التي سيطرت على معاوية قبل مكيافيلي بقرون، هي التي تسيطر على أهل هذا الجيل، وهم أخبر بها من أن يدعوهم أحد إليها! لأنها روح “النفعية” التي تظلل الأفراد والجماعات والأمم والحكومات!.

منقول

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: